بين ثنائية الوطن و الغربة
أربع سنين عدوا ... أربعة بحالهم في الغربة و الخامسة في السكة .. فاكر في الأول قد إيه الخطة كانت واضحة ... تطلع تاخد الماچستير و ترجع تكمل هنا. ساعتها - في ٢٠١٥- ملامح الاكتئاب كانت خيمت علي أقرب الحبايب .. الحلم الرومانسي لمستقبل ما كان بيختفي .. معالمه الغير واضحة من البداية، بدأت تنهار، و علشان نتأقلم، أقنعنا نفسنا بأنها ضبابة و هتعدى .. أقصي ما في الأمر إنها هتأجله شوية ... فاكر إن الأيام في اللحظات ديه كانت كلها شبه بعض، بالذات لشوية شباب "متدلع" بينتمي لأقلية مستمتعة بإمتيازات العيشة في بلد زي مصر... كل حد فينا كان بيهرب بالطريقة اللي شافها مناسبة. حسيت إن كل واحد كان بيشوف آخره فين و كان بيجيبه ... اللي ماكانش بيشرب، بدأ يشرب .. واللي كان بيشرب، بدأ يسموك ... اللي كان بيسموك، بدأ يضرب .. مافتكرش ناس كتير بدأت تصلي ساعتها ... أو يمكن كان فيه و ماقالوش ... ما عرفش ليه؟ يمكن علشان ساعتها كنا فاكرين إن الصلاة ليهم و الشرب لينا .. يمكن جماليات الهوية؟ أو يمكن سجن الهوية و قبحها ..
محظوظين ان كان عندنا سكة للهروب .. و طرق الهروب بتتعدد كل ما الإمتيازات زادت ... لشوية مننا رفاهية السفر كانت منفذ للهروب .. و كونها إختيار مش نهائي و ممكن التراجع عنه، بيخليها تبان مجردة علي حقيقتها كرفاهية .. احنا ما سبناش البلد علشان كان لازم .. سبنا البلد علشان نقدر ... و السفر كان أجازة صغيرة نفكر و نتعلم .. شوية و نرجع .. يمكن علشان كده النية في البداية كانت سنة. شد الرحال، اتعلم حاجه و بعدها عودٌ حميد...
السفر كان برضه وسيلة للهروب من واقع امتيازات مش عارفين نتصالح معاها، بس بنستفيد منها تحت أغلب الظروف ... هي جزء من تكويننا، عايزينها و مش عايزينها .. عايزين حلاوتها و مش عايزين وساختها .. زمان كنت هسميه عناء برجوازي بنبرة ساخرة .. النهاردة مش عارف هسميه إيه .. السخرية لسه موجودة، ما ماتتش، بس يمكن بقت أقل حدة ...
و لسبب ما كان فيه دايماً ارتباط بمصر .. بسأل نفسي كتير يعني إيه مصر أساساً؟ أصل بيقولوا إن الدول كيان وهمي ... اتسمي قبل ما يكون، فأصبح ... بيقولوا إن مصر، أم علم أحمر في أبيض في أسود ديه، حد زمان حطها في صندوق واحد، و شد كام خط عالخريطة و قرر ان كل اللي جوًا الصندوق شبه بعض. سمر و لونهم قمحي، بيتكلموا عربي، متدينين، غيريين، مسلمين و مسيحيين ... شوية حاجات كده سهلة و مريحة بتخلي الصندوق سهل الفهم و واضح المضمون.
.. بس بغض النظر عن كون الصندوق وهمي أو لأ، و بالرغم من إني حسيت لفترة طويلة إني مش راكب جوا الصندوق ده، إلا أن ارتباطي الشخصي بيه حقيقي جداً ... حقيقة في لبها حنين لذكريات تكوينها معقد علشان اتبني علي خليط من الجمال و السموم اللي احتكيت بيها في كل ركن، في الرايحة و الجاية .. حنين لذكريات نتجت عن إمتيازات حقيقية. ذكريات الكوربة و نادي هليوبوليس و المدرسة الألمانية ... و نتجت برضه عن إستحالة الهروب من واقع العيشة في مصر. واقع إن كلنا بنشم نفس الهوا الوسخ ... و إن كلنا مش لاقيين حتة جنينة خضرة نتمشى فيها ببلاش. و لو لقينا، مافيش مهرب من كلمة جارحة، أو بصة غرقانة في عمي الأحكام ...
مشكلة النوع ده من الحنين إنه مركب ... زي حنيني لإزازة البست المليانه ميَّا و مشبره من كلور الحنفية في تلاجة جدتي. بالمناسبة، بيقولوا إن مية الحنفية هي فخر مدينة نيويورك ... أنضف مية حنفية في أمريكا أصلها ... أما في مصر، فدلقوتي ما بقيناش نشرب غير الميَّا المعدنية، و لو قلتلي أشرب من الحنفية هرد بلأ - بس الحنين موجود.
زي حنيني لقعدات الصحاب، قعدات حبايب كلها ألفة و ضحك .. وحشني الضحك من القلب ... بس للأسف مليان عنصرية، و ذكورية و أطران شربناها و احنا بنكبر ... مكسوف من نفسي علشان لسه بضحك ساعات علي نفس الحاجات ... و ساعات تانية بتقرف ... شيزوفرينيا؟ يمكن ...
عندي حنين لريحة الأسفلت السخن ... و حنين لألفة القاهرة بالليل و أنا سايق فيها لوحدي .. و أكون كداب لو قلت إني ما وحشنيش الدلع، دلع الأهل و طبيخ ماما و غسيل الهدوم في ثانية ... و هو نفس ذات الدلع اللي بعد شوية بكون ناقم عليه، علشان بسببه المساحة بين الشخصي و العام بتتلغوش ... اللي بتدي قرايبنا الحق انهم يسألوا "هنفرح بيكي امتي؟" أو يعلقوا بكل ثقة انك "يا دوبك تخلف علشان مراتك كبرت" ... إزاي توحشني نفس الحاجات اللي خلتني عايز أمشي في الأصل؟
مرة قريت مقال كان بيتكلم عن صلاح چاهين و إزاي كان رسام للسلطة في آخر حياته ... قد إيه زعلت .. الرباعيات شكلت وجداني في مراحل النضج لدرجة إني لو عمري فكرت أوشم حاجه علي جسمي هتكون عبارة "خايف لكن خوفي مني أنا" - بس مش عارف لو هقدر .. ما الأسئلة أكتر من الإجابات ... هل تواطؤ چاهين مع السلطة كافي لمسح تأثير شعره في وجداني؟ و التأثير في حنيني لكل حاجة كلماته بتمثلهالي؟ طب هل ممكن فعلاً "فصل العبارة عن قائلها"؟ هل ممكن أكون ممتن لچاهين في لحظات الوحي و ناقد ليه في لحظات التواطؤ؟ هل فيه مساحة للتصالح بين الاتنين؟ مش يمكن خوف چاهين من نفسه كان في محله؟ أنه ما نطش لاستنتاجات نهائية و ساب لنفسه براح أنه يكون الاتنين في نفس الحين ... ولا يا تري ديه رومانسية المحب و جبنه من مواجهة نفسه بأخطاء حبيبه؟ بآدميته ...
طب و نعمل إيه في حتمية إن كلنا هنتغير بطرق مختلفة؟ طب و لو إللي وجداننا مرتبط بيهم اتغيروا بشكل درامي عننا ... نعمل إيه؟ البعد عدسة بتكبر التغيير .. بتخليه ملحوظ .. آخر مرة اتكلمنا كانت في شهر أغسطس ، و تاني مرة كانت في يناير ... أكيد في الحالة ديه هناخد بالنا لو اتغيرنا .. لو تخننا أو اصلعينا أو عجزنا ... لو ما بقيناش بنضحك علي نفس النكت ... يمكن علشان كده القرب فيه شيء من السهولة و الراحة ... شيء من الإمتياز .. القرب بيخلي التغيير تدريجي و غير ملحوظ .. زي ما مصر الجديدة ما بقتش موجودة ... أكيد اللي ساكنين فيها واخدين بالهم، بس مفرمة القاهرة و الحياة واخداهم .. من ناحية ما عندهمش وقت للحنين، و من ناحية تانية مش شايفين قد إيه هي ما بقتش .. علشان عايشين فيها و وشهم في وشها طول الوقت. فمافيش ثنائية "قبل" و "بعد" .. فيه بس أثناء ... و "أثناء" ساعات بتخلي تقبل حقيقة التغيير أسهل ... و التأقلم معاها أريح.
ساعات بتساءل لو هي ديه الإجابة ... متواجدة في خبايا اللحظة و نشوة الحاضر ... بعيد عن ثنائية الماضي و المستقبل ... عن ثنائية التدين و الكفر ... و النقاء و الوساخة، أو الخير و الشر ... بس إزاي نتعلم عن الخير لو ما نعرفش يعني إيه شر ؟ ماحنا ماشفناهوش ... هل أصلاً ممكن نتعلم أي حاجة في غياب المضادات؟ بدون الحاجة و عكسها؟ في غياب الديالكتيك؟
مكالمتي الأسبوعية مع صديقي في البلاد دايما بتخلص بنفس الشكل .. لازم يفكرني إن بقالي تلات سنين بديله "بق" كلها سنتين و أرجع ... يمكن علشان أنا فعلاً نفسي أرجع -
و يمكن علشان أنا فعلاً فعلاً عايز أفضل ...
